الفصل11:|وداع كايل|
عدت إلى بلاكريدج بعد أسبوعين.
لم أكن أنوي العودة أبدًا، لكن راميريز اتصل بي، قال إن هناك شيئًا يجب أن أراه.
شيئًا مهمًا.
قدت طوال الليل، ووصلت في الصباح الباكر.
المدينة كانت مختلفة مرة أخرى.
الآن، كانت هناك شاحنات إطفاء، سيارات شرطة، شريط تحذيري أصفر يحيط بمنطقة كاملة.
والدخان.
دخان أسود كثيف يتصاعد من المنطقة الشمالية.
من موقع البناء.
من المكان الذي كان فيه البيت.
أوقفت السيارة، ركضت نحو المكان.
راميريز كان هناك، يقف خلف الشريط، يراقب.
"ماذا حدث؟"
استدار، نظر إليّ بتعبير غريب. مزيج من الارتياح والقلق.
"حريق. بدأ الليلة الماضية، في موقع البناء. انتشر بسرعة، التهم كل شيء."
نظرت إلى اللهب الذي لا يزال يلتهم ما تبقى من الموقع.
"كيف بدأ؟"
"لا يعرفون. قالوا ربما ماس كهربائي، أو ربما شخص ما أشعله عمدًا."
"ومتى بالضبط بدأ؟"
نظر إليّ مباشرة.
"في نفس الليلة التي غادرتِ فيها مع... معه."
قلبي تسارع.
"تعتقد أنه..."
"لا أعرف ماذا أعتقد. لكن الحريق بدأ من السرداب. من الأسفل، وليس من الأعلى. كأن شيئًا... أراد تدمير كل شيء."
نظرت إلى الدخان المتصاعد، وفهمت.
الغول.
قبل أن يغادر، قبل أن يصعد إلى الشاحنة... فعل شيئًا.
دمر مكانه، محا آثاره، أحرق كل ما تبقى من ذلك الماضي المظلم.
لكي لا يعود أحد، لكي لا يُزعج أحد، لكي ينتهي كل شيء.
"هل... هل مات أحد؟"
"لا. الموقع كان فارغًا. لا عمال، لا أحد. فقط المباني."
"الحمد لله."
وقفنا صامتين، نراقب الحريق يلتهم آخر بقايا بيت الغول.
"إذًا انتهى الأمر." قال راميريز أخيرًا. "انتهى حقًا."
"نعم. انتهى."
"وهو؟ الغول؟"
"في مكان آمن. بعيد. لن يؤذي أحدًا بعد الآن."
"وأنتِ؟ ماذا ستفعلين الآن؟"
فكرت للحظة.
"سأعود. إلى حياتي. إلى عملي. إلى السلام."
"تستحقينه."
"ربما."
***
لكن قبل أن أغادر بلاكريدج، كان هناك شيء أخير يجب أن أفعله.
قدت إلى المقبرة القديمة على الطرف الجنوبي من المدينة.
سرت بين شواهد القبور، حتى وصلت إليه.
قبر كايل.
"كايل هيل
1999 - 2023
أخ محبوب، صديق مخلص، باحث عن الحقيقة"
جلست على الأرض أمام الشاهدة، وضعت يدي على الحجر البارد.
"مرحبًا يا كايل. أنا آسفة لأنني لم آتِ من قبل. كنت... كنت خائفة. خائفة من مواجهة هذا، مواجهتك، مواجهة ما حدث."
الريح حملت أوراقًا جافة عبر المقبرة.
"لكنني أريدك أن تعرف... انتهى الأمر. الأشخاص الذين قتلوك، ذهبوا إلى السجن. الحقيقة التي كنت تبحث عنها، كُشفت. وبلاكريدج... بلاكريدج لن تكون كما كانت."
توقفت، شعرت بالدموع تتجمع.
"أتمنى لو كنت معي. أتمنى لو رأيت كل هذا. أتمنى لو..."
الصوت انكسر.
"أتمنى لو كنت أستطيع إعادتك."
بكيت. لأول مرة منذ شهور، تركت نفسي أبكي حقًا.
بكيت على كايل، على إيليجاه، على كل من فقدته.
بكيت على السنوات الضائعة، على الخوف والهروب والوحدة.
بكيت حتى لم يعد هناك دموع.
ثم، ببطء، نهضت.
مسحت وجهي، نظرت إلى الشاهدة مرة أخيرة.
"وداعًا يا كايل. أحبك. ولن أنساك أبدًا."
سرت بعيدًا، عبر المقبرة، نحو السيارة.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بأنني أستطيع التنفس.
***
عدت إلى أوريغون، إلى المدينة الساحلية الصغيرة، إلى شقتي فوق متجر الكتب.
هنري كان سعيدًا برؤيتي، قال إن المكان لم يكن كما هو بدوني.
عدت إلى العمل، إلى الروتين الهادئ، إلى الحياة البسيطة.
لكن شيئًا ما تغير.
لم أعد تلك الفتاة الخائفة التي هربت من بلاكريدج قبل سنوات.
لم أعد تلك المرأة المحطمة التي عادت لتواجه ماضيها.
كنت شخصًا جديدًا.
أقوى، أكثر حكمة، أكثر سلامًا.
***
مرت الأشهر.
الخريف تحول إلى شتاء، والشتاء إلىربيع.
الحياة استمرت.
وأنا استمريت معها.
في إحدى الأمسيات، بعد إغلاق المتجر، كنت أجلس في شقتي، أقرأ كتابًا، عندما رن هاتفي.
رقم غير معروف.
ترددت، ثم أجبت.
"مرحبًا؟"
صمت.
ثم، صوت. خافت، بعيد، مألوف.
"لوميرا..."
تجمدت.
"من... من هذا؟"
"أنا... أردت فقط... أن أقول... شكرًا..."
الصوت كان مختلفًا، أقل معدنية، أكثر... بشرية؟
لكنني عرفته.
"أنت... كيف تتصل بي؟"
"تعلمت... الكثير... منذ... غادرت..."
"هل أنت بخير؟ هل أنت آمن؟"
"نعم... المكان... جميل... هادئ... سلمي..."
شعرت بالارتياح يغمرني.
"أنا سعيدة."
"وأنتِ؟ هل... أنتِ سعيدة؟"
فكرت للحظة.
"نعم. أعتقد أنني كذلك."
"جيد... هذا... كل ما أردته..."
"هل ستتصل مرة أخرى؟"
"ربما... أحيانًا... فقط لأقول... مرحبًا..."
ابتسمت.
"سأكون سعيدة بذلك."
"وداعًا... يا ابنتي..."
"وداعًا... يا أبي."
انقطع الاتصال.
جلست هناك، أحمل الهاتف، ابتسامة على وجهي.
في مكان ما، في الشمال البعيد، في غابة منعزلة، مخلوق قديم يعيش بسلام.
وهنا، على الساحل، أعيش أنا بسلام أيضًا.
كلانا وجد مكانه في هذا العالم.
كلانا وجد السلام الذي كنا نبحث عنه.
***
لكن القصة لم تنته تمامًا.
لأنه في بعض الليالي، الليالي التي يكون فيها القمر كاملًا والرياح قوية، أحلم.
أحلم بالسرداب، بالأعين الحمراء، بالصوت الهامس.
لكنها لم تعد كوابيس.
بل أحلام.
ذكريات.
وفي تلك الأحلام، الغول يتحدث إليّ، يخبرني قصصًا عن الماضي البعيد، عن زمن قبل البشر، عن أشياء قديمة ومنسية.
وأنا أستمع.
لأنني جزء من ذلك العالم القديم.
جزء من تلك القصة.
وسأحمل هذا معي، إلى الأبد.
***
بعد سنة من عودتي، تلقيت رسالة.
من جيسيكا رايلي، الصحفية.
كانت قد نشرت كتابًا عن قصة بلاكريدج.
"الشتاء الأحمر: الحقيقة المظلمة خلف فضيحة بلاكريدج"
أرسلت لي نسخة، مع رسالة:
"عزيزتي لوميرا،
إليكِ الكتاب. آمل أن يعجبك. خصصت فصلًا كاملًا للأساطير المحلية، وللقصص التي لا يمكن إثباتها لكنها تستحق أن تُروى.
شكرًا لك على شجاعتك، على صدقك، على ثقتك بي.
مع حبي،
جيسيكا"
فتحت الكتاب، قرأت.
كانت قد كتبت القصة بشكل جميل، احترافي، متوازن.
ذكرت الجرائم، الفساد، المحاكمات، كل شيء موثق ومثبت.
وفي النهاية، الفصل الأخير، كتبت عن الأساطير.
عن القصص التي يرويها الناس في بلاكريدج عن شيء يعيش في الظلام.
وذكرت شهادتي، لكن بطريقة محترمة، دون سخرية أو حكم.
"هل كان هناك حقًا مخلوق في ذلك البيت؟ لا يمكننا الجزم. لكن شهادة لوميرا هيل، الناجية، تجعلنا نتساءل: ماذا لو كانت بعض الأساطير حقيقية؟ ماذا لو كان العالم أكثر غرابة مما نعتقد؟"
ابتسمت.
شكرًا لك يا جيسيكا.
شكرًا لك على الاستماع.
***
الحياة استمرت.
الأيام تحولت إلى أسابيع، والأسابيع إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات.
عملت في المتجر، قرأت الكثير، كتبت قليلاً.
التقيت بأشخاص، كونت صداقات، عشت.
وفي كل عيد ميلاد لكايل، ذهبت إلى المقبرة، وضعت الزهور على قبره، وتحدثت معه.
أخبرته عن حياتي، عن الأشياء الجيدة التي حدثت، عن السلام الذي وجدته.
وأحيانًا، أحيانًا كنت أشعر بأنه يستمع.
***
والآن، بعد خمس سنوات من تلك الليلة في السرداب، أجلس هنا، أكتب هذه الكلمات.
أكتب قصتي، قصة بلاكريدج، قصة الغول.
لا أعرف إذا كان أحد سيقرأها، أو سيصدقها.
لكن هذا لا يهم.
أكتبها لأنني أحتاج أن أكتبها.
لأنني أحتاج أن أضع كل شيء على الورق، أن أخرجه من رأسي، أن أجعله حقيقيًا.
وربما، في مكان ما، شخص ما سيقرأ هذا، ويفهم.
سيفهم أن العالم ليس دائمًا أبيض وأسود.
أن الوحوش ليست دائمًا شريرة.
وأن العائلة، الحقيقية، ليست دائمًا دمًا.
أحيانًا، العائلة هي من يختار أن يحبك، أن يحميك، أن ينقذك.
حتى لو كان وحشًا.
حتى لو كان مختلفًا.
حتى لو كان... قديمًا ووحيدًا ومنسيًا.
***
الشتاء قادم مرة أخرى.
الثلج بدأ يتساقط على الساحل، ندفات بيضاء ناعمة تغطي كل شيء ببطانية نقية.
وأنا، لوميرا هيل، آخر من تبقى من عائلة غريبة، أنظر عبر النافذة، وأبتسم.
لأنني على قيد الحياة.
لأنني حرة.
لأنني في سلام.
وهذا، في النهاية، كل ما أردته.
الشتاء الأحمر انتهى.
لكن الربيع... الربيع بدأ للتو.